عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

726

معارج التفكر ودقائق التدبر

أي : لم أنتقم منهم إذ أهملت أجيالهم المتأخّرة وصيّة جدّهم إبراهيم ونبذوا العمل بها ، بل متّعتهم متاعاتهم المقسومة لهم من الحياة الدّنيا ، ولم أعاقبهم على شركيّاتهم الّتي أدخلوها إلى مجتمعاتهم ، إمهالا لهم في ظروف الحياة الدّنيا ، حتّى تفاقم أمرهم في الشّرك والجاهليّات المختلفات ، واقتضت الحكمة أن أرسل خاتم المرسلين محمّدا رسولا منهم مبينا للحقّ بلغتهم ، فأبان لهم الحقّ الّذي كان قد وصّى به جدّهم إبراهيم أوائل أجدادهم ، وأوصاهم بأن يتوارثوها جيلا بعد جيل ، وأن يوصي بها كلّ جيل سابق من يليه من الأجيال . ولمّا جاء قريشا الحقّ من ربّهم ببعثة محمّد ، وتلا عليهم ما أنزل اللّه عليه من قرآن نجما بعد نجم ، وأدهشتهم بلاغته وكمال بيانه ، قالوا : هذا سحر . ولمّا كان ما اشتمل عليه القرآن مخالفا لأهوائهم ، وانطلاقهم في فجورهم ، ورغباتهم في الظلم والعدوان ، والإثم والفسوق والعصيان ، قالوا : إنّا به كافرون . * مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ : أي : جعلت هؤلاء الأحياء من قريش وآباءهم المشركين مثلهم ، ينالون ما قسمت لهم من متاعات الحياة الدّنيا في رحلة امتحانهم ، ولم أهلكهم إهلاكا جماعيّا مستأصلا ، لأنّهم لم يصلوا إلى دركة الإهلاك العامّ المستأصل في الدنيا ، أمّا كفرهم بالحقّ فسوف ينالون جزاءهم عليه يوم القيامة . * حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ : أي : واستمرّ إمدادي لهم بمتاعاتهم من الحياة الدّنيا ، حتّى بعثت رسولي محمّدا ، وجاءهم الحقّ بلاغا على لسانه ، وهو ما سبق أن أوصى أوائل أجدادهم به رسولي إبراهيم بلاغا عنّي .